علي بن أحمد المهائمي
222
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
تجليات الحق في مقر عينه ، وفي المظاهر المتناهية ( بقولنا : يا خالق الأشياء ) أي : مقدرها ( في نفسه ) أي : علمه ( أنت لما تخلقه ) في الأبد ( جامع ) في الأزل ( تخلق ) أي : بقدر ( ما لا يتناهى كونه ) من عالم المعاني والأرواح والأجسام ( فيك ) أي : في علمك مع أنك لا تحل فيك ، ولا في صفاتك الحوادث ، ( فأنت الضيق ) عن حلول الحوادث فيك ، ( الواسع ) لما يتعلق علمك بها ، والبيتان ليس من محل الاستشهاد ، بل من مقدماته ، إذ القلب من مظاهر علمه الأزلي في هذه السعة مع الضيق في نفسه ، ومحله البيتان الآتيان ، أعني قوله : ( لو أن ما قد خلق اللّه ) أي : حصل بقلبي ، واستقر فيه ؛ ( ما لاح ) أي : لم يظهر ( بقلبي فجره الساطع ) « 1 » أي : نور ذلك الخلق وهو تجلي الحق فيها ؛ لعدم إحاطته بالقلب ، بحيث لا يكون فيه متسع لتجل آخر ، بل هو في غاية الاتساع بحيث لا يمتلئ أبدا . ثم أشار إلى تعليله بقوله : ( من وسع الحق ) أي : تجليه في مقر عينه مع عدم تناهيه بحيث لا يمكن فرض تناهيه ، ( فما ضاق عن خلق ) أي : عن تجليه في خلق ، وإن كان غير متناه إذ يمكن تقدير تناهيه ، ( فكيف الأمر ) أي أمر القلب في عدم التناهي مع كونه من جملة المخلوقات التي يمكن فرض تناهيها ، ( يا سامع ) يريد أنه لا يتم فهم هذا بالسماع ، وإنما يتم بالوجدان والذوق والشهود . [ بالوهم يخلق كلّ إنسان في قوّة خياله ما لا وجود له إلّا فيها ، وهذا هو الأمر العامّ ، والعارف يخلق بهمّته ما يكون له وجود من خارج محلّ الهمّة ، ولكن لا تزال الهمّة تحفظه ، ولا يئودها حفظه ، أي : حفظ ما خلقته ، فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق ، إلّا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات ، وهو لا يغفل مطلقا ، بل لا بدّ له من حضرة يشهدها ، فإذا خلق العارف بهمّته ما خلق ، وله هذه الإحاطة ظهر ذلك الخلق بصورته في كلّ حضرة وصارت الصّور يحفظ بعضها بعضا ؛ فإذا غفل العارف عن حضرة ما أو عن حضرات ، وهو شاهد حضرة ما من الحضرات ، حافظ لما فيها من صورة خلّقه انحفظت جميع الصّور بحفظه تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها ؛ لأنّ الغفلة لا تعمّ قطّ في العموم ولا في الخصوص ] . ثم بيّن علامة سعة القلب ، وهي أنه يفعل أفعال الحق الذي تجلى فيه فعل المرآة في تنوير الجدار عند استنارتها من الشمس ، فقدم لذلك ما يقرب فهمه ، فقال ( بالوهم ) أي : بالقوة التي بها التحليل والتركيب بين الصورة الخيالية ، والمعاني الوهمية باعتبار استعمال الوهم إياها ( يخلق كل إنسان ) ، وإن لم يقدر على خلق شيء في الخارج ( في قوة خياله ما لا وجود له إلا فيها ) أي : في قوة خياله كجبل من ياقوت ، وبحر من زئبق ، ( وهذا ) الخلق
--> ( 1 ) فيه تقديم وتأخير ، أي لو أن ما قد خلق اللّه بقلبي ما لاح بقلبي فجره .